محمد بيومي مهران

120

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

قمتها فيما يتصل بموسى عليه السلام ، بل إن بعض المؤرخين إنما جعل بني إسرائيل أنفسهم - وليس المنجمين - هم الذين كانوا يرددون هذه النبوءة ، وأن صاحبها هو الخليل نفسه « 1 » . ولعل سؤال البداهة الآن : لم يصرّ هؤلاء المؤرخون على أن يجعلوا المنجمين يعلمون الغيب من الأمر ؟ حتى أنهم في قصة إبراهيم ، إنما يحددون مولده بالسنة ، بل والشهر كذلك ، وإن لم يقل لنا أصحابنا المؤرخون : متى كان هذا الشهر ، وتلك السنة ، ثم ألا تبدو الصنعة واضحة في ولادة الخليل في مغارة ، ثم تركه وحيدا فيها ، ثم زيارة أمه له يوما بعد يوم ، دون أن يدري الملك - أو حتى أبو الخليل نفسه - شيئا عن ذلك ، ثم من أين اتى المؤرخون بكل هذا القصص ؟ والرأي عندي أنه ربما صاحبت مولد الخليل عليه السلام بعض الخوارق ، فذلك أمر لا ننكره ، وما كان لنا أن ننكره ، ولكن أن تكون الخوارق بهذه الطريقة التي يذكرها مؤرخونا ، وأن تتكرر مع بعض الأنبياء على نفس الوتيرة ، مع تغيرات طفيفة في السرد القصصي ، فذلك ما نراه أمر اختلاق ، لعبت الإسرائيليات فيه الدور الأول ، ثم شاء لمؤرخينا علمهم أن يزيدوا فيها ، وهم يعلمون أن التوراة محرفة ، فما زادوا - والحال هذه - على أن نقلوا التحريف ، بل وربما في بعض الأحايين أن حرفوا التحريف نفسه ، فأتت كتاباتهم على هذا النحو أو ذاك .

--> ( 1 ) ابن الأثير 1 / 170 ، تاريخ الطبري 1 / 234 - 237 ، 387 - 388 ، ابن كثير 1 / 237 - 238 ، تاريخ اليعقوبي 1 / 23 ، مروج الذهب 1 / 56 ، متى 2 : 1 - 22 ، قارن : تفسير المنار 1 / 313 ، المقدسي 3 / 45 ، تفسير الطبري 12 / 65 - 67 ، قصة مشابهة عن قوم صالح عليه السلام .